السيد محمد حسين الطهراني

178

الروح المجرد ( في ذكرى السيد هاشم الموسوى الحداد )

والعيان - لا بالدليل والبرهان - خارج هذه الحدود وخارج هذه النِّسَب الاستقلاليّة . فهو يرى أنّه - ويا للعجب - كان وجوداً أفضل وأعلى وأسمى وأرقى ، وأن لا وجود لذاك الوجود المجازيّ الذي كان حتّى الآن ينسبه لنفسه ويتصوّره أنّه هو ، فنفسه شيء آخر مجرّد ومنوّر وبسيط ، يمتلك حياةً وعلماً وقدرة حقيقيّة ، في حين كان ذلك الوجود السابق شيئاً قذراً ظلمانيّاً ومحدوداً ومقيّداً وذا حياة وعلم وقدرة محدودة ومجازيّة . فهو يرى من جهة أنّه كان كذلك فصار هكذا وظهر بهذه الصورة القيّمة البسيطة والجميلة ، فلا شكّ ولا ريب أنّ هذا ليس إلّا نفسه . ويرى من جهة أخرى أنّ هذا ليس ذاك ، فلا تناسب ولا تشابه بينهما ؛ فذاك ميّت وهذا حيّ ، وذاك جاهل وهذا عالم ، وذاك عاجز وهذا قادر ، وهو محدود وهذا مجرّد ، وذاك ظلمة وهذا نور ومنير ، وذاك ثقيل وهذا خفيف متسام . وخلاصة الأمر أنّ جميع صفاته وأسمائه قد تغيّرت ، فصارت له صفات إلهيّة وأنّه خرج من لباس الشيطان فارتدى خلعة المَلَك والملكوت واللباس الإلهيّ ، فلا شكّ لديه أنّ هذا ليس ذاك . تماماً ، كتلك القَرْعة التي علّقها ذلك الرجل في عنقه . على أنّ بعض القَرْع كبير جدّاً ومجوّف يجعله البعض إناءً فيستفيدون منه ، وقد شاهد الحقير أنّهم كانوا يصنعون منه سابقاً كوزاً لغليون التدخين . وباعتبار أنّ القَرْع خفيف الوزن ومجوّف ، فهو إذا جُفِّف صار يرنّ لو نُقر بإصبع واحدة ، ولأنّه كبير الحجم فقد كان اختياراً ملائماً ليصبح هويّة وعلامةً لهذا الرجل . أي أنّ الإنسان بشكل عامّ يحاول حفظ ذاتيّته بهذه الزينة والحليّ ، وبهذه التعيّنات الاعتباريّة ، وبهذه التصوّرات الجوفاء الخالية الرنّانة . لكنّ جميع هذه التعيّنات تزول دفعة واحدة لدى السالك في طريق الله ، فيشاهد